الأحد، 15 مايو 2011

مقال: فروض نظريّة على محكّ الخبرة الثوريّة الأخيرة في تونس ومصر... محمّد عبد الشفيع عيسى

فروض نظريّة
على محكّ الخبرة الثوريّة الأخيرة
في تونس ومصر
د . محمّد عبد الشفيع عيسى
أستاذ العلاقات الاقتصادية الدولية،معهد التخطيط القومي،القاهرة.


أثبتت الخبرة (الثورية) في تونس ومصر خلال كانون الثاني/ يناير وشباط/ فبراير 2011 خطأ بعض الافتراضات التي سادت حقل التفكير السياسي والاجتماعي العربي خلال السنوات الماضية، كما أثبتت صحة افتراضات أخرى .
أولاً: الافتراضات التي ثبت عدم صحتها
تتمثل الافتراضات التي ثبت عدم صحتها- من وجهة نظرنا- في الأمور الثلاثة الآتية :

1- الأمر الأول هو افتراض "العجز والاستعصاء الديمقراطي العربي ". فقد سرى مسرى النار في الهشيم ، قول بأن حالة المنطقة العربية تمثل " استثناء " تاريخياً وجغرافياً واضحاً خلال العقدين الأخيرين، من حيث إنها المنطقة (الوحيدة في العالم) التي لم تمسها عجلة التطور الديمقراطي التي عمّت العالم ، بدءاً من أوروبا الشرقية عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، إلى شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، حتى أفريقيا جنوب الصحراء. وقد تساءل البعض، في إشفاق شديد: لماذا انتقل الآخرون إلى الديمقراطية وتأخر العرب؟ وبدأ البعض الآخر في إعداد صياغات متقنة لتصوّرات تجريدية حول أسلوب التحول الديمقراطي المرتجى، من قبيل بناء "كتلة تاريخية "... إلخ .
وكان إصدار التقرير الأول لـ التنمية الإنسانية العربية في العام 2004 حدثاً فاصلاً في محاولة تأكيد ونشر الافتراض السابق، ليس فقط على المستوى العربي، ولكن على المستوى العالمي أيضاً ، إلى درجة أن بوش الابن استخدم- في أعقاب غزو العراق- هذا الافتراض كحجة أساسية في المجادلة بشأن الوضع المتدني نسبياً للمنطقة العربية على الصعيد العالمي، ربما لتبرير الغزو المذكور.
وانتشر الافتراض المذكور في أوساط المثقفين العرب انتشاراً واسعاً ، إلى درجة بدا معها وكأنه حقيقة واقعة دالة على عجز متأصل في المجتمع العربي، لاستعصائه المزمن على تقبل الديمقراطية (مجهلة هكذا بدون تعريف..!).
وبلغ الأمر حدّاً بدا معه أيضاً أنه ربما يكمن العجز في الذهنية العربية نفسها، أو البنية العقلية العربية، وربما اشتط البعض فارتأى أن العقدة المستعصية كامنة في نوع من المورثات أو "الجينات " العربية ذاتها. وتبارى الباحثون المعنيون في محاولات ممتدة لإثبات صحة الافتراض المذكور، من خلال أعمال نظرية و" إمبيريقية " موسعة ، اعتماداً في العديد من الأحيان على تمويل جزئي أو في من بعض الجهات ومراكز البحث الغربية .
وكم حاول البعض- ونحن منه- أن يتصدى للموجة العاتية، بالقول إن ما يبدو على السطح العربي عجزاً واستعصاء ، ما هو إلا "ظاهرة" مجتمعية- تاريخية ، لها أسبابها المحددة، ولها نتائجها، وكما نشأت فإنها معرضة للزوال بمجرد زوال الأسباب. وقلنا إن العجز والاستعصاء الظاهرين يقابلهما نشاط حركي عميق في قلب البوتقة المجتمعية العربية ، من خلال حراك دائب لا يريم، ممثلاً في تحركات اجتماعية واحتجاجية لا تنقطع، وخاصة في مصر. وقلنا إن المجتمع العربي يغلي حيوية في كل جانب منه ، وإن ذلك هو "المعادل الموضوعي " لما يبدو سكوناً أو جموداً على السطح .
ولكن الخبرة التونسية ، والمصرية من بعدها ، مضتا بما قلناه بعيداً جداً ، وأثبتتا أن نيراناً قوية كانت كامنة تحت الرماد، وأن الحيوية ذات الطابع الدينامي الفائق كانت تعتمل تحت السطح بأقوى وأعمق مما كنا نتصوره، ومما كان يمكن تخيله بأي حال .
فقد ارتفعت "التجربة الثورية " في تونس ومصر إلى الأوج ، مؤكدة عدم صحة افتراض العجز المتأصل، والاستعصاء المزمن، في الحالة العربية ، في مواجهة ما يسمى "التحول الديمقراطي " أو "الانتقال إلى الديمقراطية "، وأن ما حاولت أن تشيعه مراكز البحث الغربية والعربية معاً بشأن "الاستثناء العربي " ليس صحيحاً على إطلاقه، وأن التحول الديمقراطي والاجتماعي الشامل ممكن عربياً ، في حال توفر الظروف المهيئة له ، وأنه قابل للنجاح، في حال توفر الشروط .
3- الأمر الثاني الذي ثبت معه عدم صحة الافتراضات السائدة هو وزن ودور الطبقة الوسطى في المجتمع العربي ؛ فلطالما انتشر القول باندثار الطبقة الوسطى تحت وطأة التفاوت المجتمعي بين أقلية ثرية وأغلبية محرومة. وقد سرى هذا القول أيضاً مسرى النار في الهشيم، وبدا وكأنه مسلّمة يصعب تحدّيها علمياً وعملياً .
وحاول البعض- ونحن منه- أن يقول إن الطبقة الوسطى لم تندثر أو تنقرض، وانما - على العكس تماماً - تعاظم شأنها، وغلظ قوامها، وامتد وجودها الأفقي وعمقها الرأسي إلى مدى غير مسبوق في المجتمع العربي خصوصاً ، وكافة مجتمعات " العالم الثالث السابق " عموماً .
وقلنا أيضاً إن الذي انقرض أو اندثر ليس الطبقة الوسطى في عمومها، وإنما تلك الطبقة الوسطى "القديمة" من الأصول "النبيلة"، ومن "ذوي الياقات البيض "، من أصلاب "الأفندية" الأصلاء، ومن أبناء البرجوازية. وفي مواجهة هذه الواقعة التاريخية ، نجم واقع جديد في خضم انبثاق طبقة وسطى جديدة ، من أبناء الأرياف و" ذوي الياقات الزرق "، الذين تلقوا أقساطاً متفاوتة من التعليم، وتدرّجوا على مراقي الحراك الاجتماعي بأشكال مختلفة ، وزحفوا من القرى النائية والبوادي القصية ، البعيدة عن المركز المديني التقليدي- المتروبول، وعملوا في أي نشاط وجدوه، وسكنوا في أي ركن أتيح لهم، مما سمي في ما بعد "الأحياء القصديرية" أو "الأحياء العشوائية" أو "السكن الفوضوي ".. وهذه الطبقة الوسطى الجديدة اشتغلت في جهاز الدولة (الخدمة المدنية)، وتغلغلت في النسيج الاقتصادي المتحوّل حضرياً ، وأصبحت عماد المجتمع الجديد. ولكن ذلك لا ينفي الوجه الآخر من الحقيقة، ماثلاً في تعمّق التفاوت الاجتماعي الذي شخصته الحالة الثورية التونسية الأخيرة ، في التفاوت بين الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية ، فهو تفاوت طبقي و"جهوي " في آن معاً ، كما قالوا ويقولون .
وقد جاءت الخبرة التونسية لتثبت خطأ افتراض اندثار الطبقة الوسطى، بعد أن زحفت جحافلها باتجاه "المركز"، بوصفها "قابلة الثورة"، كما قال لينين، وبوصفها الحامل القيادي لشعلتها، ومعها جنباً إلى جنب "الفقراء فقراً مدقعاً "، و" المهمشون "، و" المنبوذون اجتماعياً " ، الذين تم إقصاؤهم بفعل تمركز الثروة والسلطة إلى أبعد الآماد والآفاق في تونس .
أما خبرة ثورة 25 كانون الثاني/ يناير 2011 في مصر، فإنها تشير إلى الدور الإيجابي المحوري لشريحة اجتماعية محددة بالذات من الطبقة الوسطى، في غمار الانتفاضة الشعبية ذات الطابع الديمقراطي والتحرري، هي " شباب الخريجين " من أبناء الطبقة المتوسطة، بينما اتسم موقف شريحة أصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة المدينية ، من التجار والحرفيين والمهنيين، بالتذبذب الشديد، مع ميل إلى التخلي عن حركة الثورة عند المنعطفات الخطرة . ويأتي هذا الموقف، انطلاقاً من الحفاظ على موقع هذه الشريحة الاجتماعي المستفيد من حالة " الفساد المعمّم " في مصر من خلال تعظيم "عوائد الملكية" للتجار، وريع الندرة للحرفيين والمهنيين ومن إليهم، في إطار فوضى الأسواق التي تمكنهم من تعويض آثار ارتفاع معدل التضخم على حساب الشرائح الاجتماعية المتوسطة من العاملين الذهنيين كاسبي الأجور، ومن المتعطلين من خريجي التعليم العالي بالذات وعائلاتهم النووية والممتدة .
3- الأمر الثالث التي ثبت معه عدم صحة الافتراضات السائدة، ولو نسبياً أو جزئياً ، هو انزواء دور القوات المسلحة في العملية السياسية . وبالفعل ، فقد جهدت الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية طوال العشريات الثلاثة الأخيرة (السود) من أجل كسب القوات المسلحة إلى صفها، أو على الأقل تحييدها، من خلال نزع الطابع السياسي عنها ، ومحاولة السيطرة المباشرة عليها، تنظيمياً وثقافياً ، والعمل على إفراغها كلياً من أية قابلية للانضمام إلى صفوف الثورة الشعبية إذا قدّر لها القيام في يوم ما. والى جانب هذه " المهمة " ، قامت الأنظمة الحاكمة بمهمة مقابلة متمثلة في إضفاء الطابع الأمني الشامل على حركة المجتمع والحياة السياسية، اتساقاً مع جعل الهدف الأساسي للأنظمة تلك هو الحفاظ على أمنها العضوي ، واستتباب قبضتها، إلى أطول مدى زمني ممكن، بل و" إلى الأبد..! إن أمكن" ، سعياً إلى تداول السلطة بين الأيدي ذاتها، ولو في الإطار العائلي .
وتفريعآ على الحجة القائلة بانزواء الدور السياسي للقوات المسلحة ، قدم البعض حجة مساندة قوامها تصاعد دور "أجهزة الأمن "، إلى حد حلولها محل الجيوش في معادلة حفظ أمن النظم الحاكمة خلال الحقبة الأخيرة .
بيد أن الخبرتين التونسية والمصرية قدمتا تصحيحاً مهماً على صياغة الحجة الرئيسية، والحجة الفرعية، حول دور المؤسسة الأمنية التي انهارت كلياً في الحالتين التونسية والمصرية، عند أول منعطف حقيقي للثورة ، وحول دور القوات المسلحة التي وقفت خارج حالة الحياد السلبي المفترض، أمام الحالة الثورية . ولقد رفضت القوات المسلحة ، في كل من تونس ومصر، استخدام القوة المفرطة، كما أرادها له النظام الحاكم ، بل مثلت، ولو في صورة غير مباشرة، نوعاً من السياج الواقي حول حركة الثورة الشعبية في لحظات معينة ، ضمن حدود مفهومة، بطبيعة الحال، وان كنا لا نتوقع أن يتجاوز الجيش دور " الحارس " للوضع القائم في وقت معين، سواء كان هذا الوضع أكثر ميلاً إلى حفظ المعالم الأساسية للنظام الاجتماعي القديم، أو اكثر ميلاً إلى وجهة نظر القوى الثورية في التغيير " الراديكالي ".
وتجب الإشارة هنا إلى أن ميزان القوى المتغيّر، إذا كان له أن يسمح في المستقبل بتقدم جوهري للقوى الثورية ، فإنه يمكن لهذه القوى أن تستفيد من وضعية "الحارس " التقليدية للجيش، من أجل حماية عملية التحول الثوري الديمقراطي . وفي حال استتباب وضعية الاستقرار السياسي لعدة سنوات- أدناها خمس سنوات مثلاً - فإنه يمكن تحقيق استقرار اجتماعي ديمقراطي لفترة أطول، يتم خلالها إطلاق عملية تفاعل سياسي حقيقي ، يسمح بفرز القوى السياسية المختلفة ووضعها على المحك ، تمهيداً لإجراء انتقال ديمقراطي للسلطة ، يسمح بتداول هذه السلطة من خلال عملية الانتخابات.
وتلك بالضبط هي خلاصة الخبرة السياسية لتركيا خلال الفترة ما بين منتصف التسعينيات حتى العام 2002، حيث إن الدور الحارس للجيش، وعدم تدخله في الحياة السياسية مباشرة، على مدى عدة سنوات متصلة ، سمح بإطلاق عملية تفاعل سياسي خلاقة أتت في النهاية بحزب العدالة والتنمية ، ذي التوجه الإسلامي ، إلى السلطة في العام 2002. وقد ترتب على ذلك انتقال تركيا في وقت قياسي إلى وضع جديد متقدم ، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً . فهل يمكن أن يحدث شيء قريب من "الخيار التركي " في مصر أو في تونس خلال الفترة القادمة ؟
هذا ما نأمله .
... تلك ، إذن، افتراضات ثلاثة حول العجز الديمقراطي، ودور كل من الطبقة الوسطى والقوات المسلحة ، ثبت عدم صحتها ، من واقع الخبرة الثورية الأخيرة في كل من تونس ومصر، مما يفتح الباب واسعاً أمام الآفاق التي كنا نتوقعها ونأملها في الوقت نفسه ، وهي آفاق موجة جديدة لحركة التحرير الوطني العالمية والعربية ، استئنافاً للتقاليد الثورية لحركة التحرر الوطني (القديمة) خلال الفترة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى مطلع السبعينيات من القرن المنصرم، ذلك أن الرأسمالية العالمية ، وربيبتها "الليبرالية الجديدة" في المجال الاقتصادي، و"النزعة المحافظة الجديدة" في المجال السياسي، قد تربعت على عرش النظام العالمي ، وخاصة بعد سقوط المحاور القيادية لحركة التحرر الوطني تباعاً (وفي طليعتها مصر الناصرية) منذ أواخر الستينيات حتى أواخر الثمانينيات، على رقعة (القارات الثلاث) ورديفها في شطر من شرق أوروبا والبلقان- خاصة يوغسلافيا- ثم سقوط الاتحاد السوفياتي في مطلع التسعينيات.
ولكن هاهي الحركة الشعبية المصرية والتونسية تفتح باباً لطالما بدا مسدوداً لحركة التحرر الوطني العالمية الجديدة على المستوى الأفريقي - الآسيوي بالذات ، وعلى المستوى العربي ، في صورة ربما مختلفة عما سبقها، من خلال تصدّر المطالبة الديمقراطية جدول أعمال الحركة الوطنية والقومية ، تمهيداً مباشراً للمطالبات التنموية ، وتجسيد أشواق العدالة الاجتماعية ، وأشواق الاستقلال في السياسة الخارجية ، ومواجهة النزعة العدوانية - العنصرية المتصاعدة للحركة الصهيونية وتجسيدها السياسي ؛ إسرائيل .
ثانياً : الافتراضات التي ثبتت صحتها
هناك أنواع أخرى من الافتراضات ثبتت صحتها من واقع الخبرة الثورية التونسية ، وهي ثلاثة أيضا:
1- الافتراض الأول هو الترابط العضوي بين النمو والتنمية . فلقد اكد الفكر الاقتصادي التنموي، بصفة دائمة ، أن مجرد ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، ممثلاً في الزيادات الدورية المنتظمة لحجم الناتج المحلي الإجمالي، ليس دليلاً على حدوث تنمية اقتصادية ، ودع عنك التنمية الشاملة. فليس هناك من ضمانة تلقائية لتساقط ثمار النمو من الأعلى إلى الوسط والأسفل على مدرج الثروة والدخل والمعيشة . بعبارة أخرى ، إن النمو الاقتصادي شرط ضروري للتنمية ، أو هو بالأحرى أحد الشروط الضرورية ، ولكنه ليس بشرط كاف ، وانما يجب أن تتوفر جملة شروط أخرى متعلقة بمصادر النمو ذاتها ، وهيكل الناتج المستهدف، وهيكل توزيع الدخل والثروة ، وتركيبة السلطة أيضاً .
وكانت قد لفتت أنظارنا، كباحثين في الاقتصاد السياسي، تلك المرتبة المتقدمة نسبياً لتونس- بين البلدان العربية والأفريقية - على مدارج المؤشرات المختلفة المبثوثة في تقارير المنظمات الدولية ، الحكومية وغير الحكومية ، المتعلقة بالنمو الاقتصادي وبالصادرات المصنعة، وبالتنافسية ، والتنمية البشرية . فما بال هذه الثورة الشعبية التونسية الناهضة التي أشعلت احتجاجاً منظماً على التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وعلى الاحتكار العائلي للثروة والسلطة في آن معآ ؟ فقد كان نمواً بلا تنمية ، إذن، كما سبق أن نبّه الفكر الاقتصادي التنموي الاشتراكي طوال عقود.
أما الاقتصاد المصري، فكان قد سجل معدلات مرتفعة للنمو الاقتصادي خلال الفترة من العام 2004 حتى أواخر العام 2008- تاريخ تفجر الأزمة المالية العالمية - تراوحت حول 7 بالمئة، بدون أن ينعكس ذلك ارتفاعاً في مستوى المعيشة أو خفضاً ملموساً في معدلات الفقر والبطالة، وخاصة "بطالة الخريجين ".
3- الافتراض الثاني هو الترابط العضوي بين المسألة الاجتماعية والمسألة الوطنية- القومية. فهذه الحركة الشعبية المتحدثة بلسان عربي مبين، فصيحاً كان أو دارجاً ، في كل من تونس ومصر، قد أقامت توازناً معقولاً في شعاراتها ومقولاتها المبنية من لدن قادتها المتنوّعين، بين ضرورة حل معضلات المسألة الاجتماعية ، ممثلة بشكل جوهري في قضية العدالة ، واتخاذ تغيير تركيبة السلطة مدخلاً رئيسياً إلى ذلك ، وضرورة الحرية السياسية للوطن والمواطن، مع التصدّي للتطبيع مع الكيان الصهيوني .
3- أما آخر الافتراضات التي أثبتت بوتقة الخبرة في تونس ومصر صحتها، فهو ذلك المبدأ الأساسي من مبادىء " الجدلية الاجتماعية " العتيدة ، وهو أن التغيرات الكمية، أو التغير في "الدرجة " ، تؤدي إلى تغيرات كيفية ، أو تغير في "النوع ".
فلقد تعجبنا وتعجب الجميع تقريباً من الطابع الفجائي للتحرك الثوري على المستوى الشعبي العريض في تونس ومصر، بعد أن بدت بركة الفضاء الاجتماعي راكدة لفترات متطاولة قاربت أكثر من عقدين من الزمان في تونس ، واكثر من ثلاثة عقود في مصر. فهل من تفسير للمفاجأة السعيدة غير أن التراكمات الكمية للغضب ظلت تعتمل في النفوس، يوماً بعد يوم، إلى أن واتتها اللحظة المناسبة ، بغير ترتيب مسبق ، كأنها "المصادفة" التي تحدث عنها فلاسفة الوجود والطبيعة، والتي يتم الإفصاح عنها حين تتوافق جملة من الظروف الملائمة والشروط المناسبة، في وقت معين ، ليقع " الحادث " غير المنتظر؟
وما هذه "المصادفة" الفلسفية التي تقع فجأة ، إلا وليدة للتراكم الكمي الذي يحدث "القطيعة" النوعية. ذلك ما جرى في تونس، انطلاقاً من "مناسبة" لم يتحسب لها أحد، ولا صاحبها بالذات، محمد بو عزيزي، الشاب (المجهول) الخارج بغتة من بين تلافيف الزمان والمكان. وجرى شيء قريب من ذلك في مصر، في مناسبة "يوم الشرطة"، في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وما أعقبها مباشرة من انفجار للعنف البوليسي في مدينة السويس، والعنف الشعبي الدفاعي من بعد .
ولسوف يولد مثل ذلك مرة أخرى ومرات، من بين أحشاء الزمان والمكان العربيين، وحينئذ يقع "الحادث غير المنتظر"، وتقع "المصادفة" التي طال انتظارها من قبل صفوة الفلاسفة، ومن قبل "الحشد الجماهيري " في آن واحد .

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More